مصطفى لبيب عبد الغني
57
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
والعقل ملكة انسانية عامة لنوع البشر ، وهو أعدل الأشياء قسمة بين أفراده وليس مخصوصا بقوم دون قوم « 1 » . يقول الرازي : « لو اجتهد الناس واشتغلوا
--> ( 1 ) يبسط أبو خاتم الرازي هذه الوجهة من النظر في كتابه « أعلام النبوة » محاولا إبطالها وبيان فسادها فيقول : « قال ( يقصد أبا بكر الرازي ) الأولى بحكمة الحكيم ورحمة الرحيم أن يلهم عباده أجمعين منافعهم ومضارهم في عاجلهم وآجلهم ولا يفضل بعضهم على بعض فلا يكون بينهم تنازع ولا اختلاف فيهلكوا ( ضمن : رسائل الرازي الفلسفية ص 295 ) . ولقد أدرك مفكرو الإسماعيلية خطر الرازي على نظريتهم في « الإمامة » حجر الزاوية في الفكر الشيعي - وهم لذلك يبادرون - في حماس - إلى دفع رأى الرازي دونما انقطاع . وحجة أبى حاتم في ذلك تظهر في قوله : « إنا لا نرى في العالم إلّا إماما ومأموما وعالما ومتعلما . . . ولا نرى الناس يستغنى بعضهم عن بعض بل كلهم محتاجون بعضهم إلى بعض غير مستغنين بإلهامهم عن الأئمة . والعلماء لم يلهموا ما ادعيت من منافعهم ومضارهم في أمر العاجل والآجل بل أحوجوا إلى علماء يتعلمون منهم وأئمة يقتدون بهم وراضة يروضونهم . وهذا عيان لا يقدر على دفعه إلا مباهت ظاهر البهت والعناد » ( رسائل الرازي ص 296 ) . ثم يتابع هذه النظرة الطبقية ، مستلهما فيها « الحس المشترك » فيقول معارضا أبا بكر : « كيف تجيز هذا وتدفع العيان ؟ وإنا نري ونعاين أن الناس على طبقات وتفاوت مراتب . ولست تقدر على ما اتفق الناس عليه أن يقولوا : فلان أعقل من فلان وفلان عاقل وفلان أحمق وفلان أكيس من فلان وفلان كيّس وفلان بليد وفلان لطيف الطبع وفلان غليظ الطبع وفلان فطن وفلان غبي » ومن دفع هذا فقد كابر وعاند . وإذا ثبت هذا فقد وقعت الخصوصية . وقد علمنا أن . . . في كل طبقة من الناس فاضل ومفضول وعالم ومتعلم ولا نرى أحدا يدرك شيئا من الأمور بفطنته وكيسه وعقله إلا بمعلم ويرشده ومعاون يرجع إليه ثم يحتذى على مثاله ويبنى عليه أمره . وهذا ما لا مرية فيه ولا يقدر أحد على دفعه . وإذا ثبت هذا فقد جاز أن يقع التفاوت في مراتبهم . . وأن يكون في الناس عالم ومتعلم وإمام ومأموم وأن تكون فيهم مراتب ودرجات جاز أن يختص الله بحكمته ورحمته قوما ويصطفيهم من خلقه ويجعلهم رسلا إليهم ويؤيدهم ويفضلهم بالنبوة ويعلمهم بوحي منه ما ليس في وسع البشر أن يعلموه ليعلّموا الناس ويرشدوهم إلى ما فيه صلاح أمورهم دنيا ودينا ويسوسوا الخلائق بمثل ما نرى من هذه السياسة العميقة التي يرتاض عليها الخاص والعام والعالم والجاهل والكيسّ والبليد ويستقيم أمر العالم بهذه السياسة » ( رسائل الرازي . . . ص 296 - 300 ) . وليست الحقيقة الدينية وحدها هي التي بتلقاها البشر وحيا وتلقينا ولكن أبا حاتم يزعم أن « علم الطب ومعرفة طبائع العقاقير وغير ذلك من علوم النجوم والفلسفة أخذه الخلف عن السلف إلى أن ينتهى إلى الحكيم الذي كان الأصل فيها وأن ذلك الحكيم عرف هذه اللطائف تأييدا من الله عز وجل وحيا منه وهو داخل في جلة الأنبياء عليهم السلام لأن أحدا ليس في وسعه أن يبلغ معرفتها إلا كذلك » ( راجع النص في ( Orientalia , P . 378 ) . وهذا الزعم بعينه سوف يتردد من بعد - تأكيدا لحق الأئمة العلويين واختصاصهم بالتعليم المخصوص - عند الداعية « حميد الدين الكرماني » . وهو يقول في واحد من أهم كتبه - المخطوطة - وهو كتاب « الرياض » ؛ « إن الفلاسفة والمتقدمين منهم وإن كانوا فضلاء في زمانهم فقد استمر عليهم سلطان الخطأ في كثير مما تكلموا عليه من العقليات . ولو كانوا في مدتنا ورأوا ينابيع البركات كيف هي فائضة من بيت الوحي بحقائق الأمور على ما عليه الدعوة -